تأملات
في بطولة كأس
العالم
د. ناجي
قروشان:
ديترويت –
الولايات
المتحدة الأمريكية
( كلنا شركاء ) :
11/6/2006
مقال الصديق
الأب سامي
حلاق اليسوعي
عن بطولة كأس
العالم الذي
ظهر في نشرة
كلنا شركاء (9
حزيران2006 ) أثار
في نفسي
الرغبة في
المشاركة
ببعض التأملات
و التعليقات
على هذا
الموضوع
الشائق.
ربما أول ما
تثيره بطولة
كأس العالم في
نفس المغترب
في أميركيا هو
الحنين إلى
الوطن و الحنين
إلى ذكريات
الطفولة
وأيام
الدراسة و ذلك
لسبب بسيط لأن
أميركيا رغم
هيمنتها على
الساحة
العالمية فما
زالت نائية عن
حمى بطولة كأس
العالم. ثم أن
القلة
النسبية
لبطولات كأس
العالم (واحدة
كل أربع
سنوات) تجعل
لكل بطولة
ذكرى معينة و
ارتباط بحدث
معين، فتلك
البطولة
اقترنت بالذاكرة
مع انتهاء سنة
البكالوريا و
تلك البطولة
عالقة بالذهن
بشهر فحوص
الجامعة، بل
إن المبارة
التاريخية
لكأس العالم
بين إيطاليا و
البرازيل
لعام 1970 هي من
أوائل
الأحداث العالقة
في ذاكرتي
كطفل له من
العمر خمس
سنوات. و لا
يستطيع المرء
أن يستعيد
ذكريات
بطولات كأس العالم
و أحداثها في
سوريا من غير
أن تعود لذاكرته
صوت و صورة
المعلق
الرياضي
الأسطوري عدنان
بوظو.
ولكن لندع
الذكريات و
الحنين
جانبا" و
لنتأمل
قليلا" في هذا
الحدث. رياضة
كرة القدم و
تحديدا"
بطولة كأس
العالم أصبحت
قاسما"
مشتركا" و لغة
واحدة لكافة
أبناء المعمورة
باستثناء
الولايات
المتحدة
الأميركية.
أذكر عندما
عملت في البنك
الدولي أن أحد
المدراء (أصله
من أميركيا
اللاتينية)
كان يروي لنا
عن قصة زيارته
لأفريقيا و
يذكر أنه عندما
تواجد في قرية
أفريقية
نائية وجد
نفسه جالسا"
مع أهالي
القرية حول
جهاز
التلفزيون
الوحيد
المتوفر
ليتفرج معهم و
يشاركهم
حماسهم ببطولة
كأس العالم...
كرة القدم
أصبحت لغة
عالمية
يفهمها و
بتحدثها و
يتحمس لها
كافة أبناء
المعمورة و
لكن الولايات
المتحدة
رائدة العولمة
و رائدة
العالم ما
زالت نائية عن
حمى كأس
العالم. هل
هذا يروي لنا
شيئا" عن مدى
اختلاف
أميركا عن
باقي العالم
بل عن
اختلافها
الشديد عن
أوروبا التي
طالما
صنفناهما
سوية تحت اسم
الغرب و التي
طالما تصورنا
و تخيلنا أنهما
يتشاركان نفس
القيم
الحضارية و
الثقافية. إن
اختلاف
أمريكا
الثقافي عن
باقي دول العالم
و عن أوروبا
تحديدا" أمر
مدهش و لكنه
حقيقي و
الأمثلة و
الأدلة عليه
عديدة و لكن
تأتي هنا
بطولة كأس
العالم كمثال
صارخ على
صحته.
أمام هذه
الشعبية
المذهلة لكرة
القدم – حتى أن
بطولة كأس
العالم سقطت
منها كلمة كرة
الفدم، و أصبح
كأس العالم هو
كأس كرة القدم
– يستطيع أن
يفهم المرء
الغضب الشديد
لفئات الشعب
السوري عندما
تحتكر شركات
خاصة حق نقل و
بث هذه المباريات
للمشتركين
فيها فقط.
ولكن مهلا" أب
سامي فقبل أن
نصب غضبنا على
الأغنياء و
على الشركات
العالمية
الجشعة و نرمي
كافة أوجاعنا
كما اعتدنا
على
الاستعمار
القديم و الحديث
دعنا ننظر
للقضية بشيء
من الموضوعية.
من قال أن
الشركات
العالمية
مسئولة عن
ترفيه الفقراء
في بلادنا!
هذه شركات
خاصة هدفها
النجاح
الاقتصادي و
تحقيق
الأرباح
لأصحاب
أسهمها. هي
ليست حكومات
منتخبة و لا
مؤسسات خيرية.
و تجدر
الإشارة أن
هناك تيار
واضح في
السنوات الأخيرة
في سلوك هذه
الشركات
العملاقة –
على الأقل في
أمريكا – لأن
تسعى جاهدة
لكي تصور
نفسها مسئولة
اجتماعيا" و
أنها تعمل من
أجل الخير العام
حيثما
تواجدت، و
السبب في ذلك
ربما بسيط فسر
نجاح هذه
الشركات هو
اكتساب ثقة و
تقدير
زبائنها و
مشتركيها
الذين يشترون
سلعها و
منتجاتها و
الذين بدونهم
لما حققت هذه
الشركات أي
ربح كان. و
الحق يقال أن
الكثير من النشاطات
الثقافية و
الخيرية لم
تكن لترى النور
لولا الدعم
المادي لهذه
الشركات لها.
ما نقترحه هنا
على الأب سامي
أن يبدأ بشن
حملة مقاطعة
للشركات
المحتكرة لبث
مباريات كأس العالم
(ننصحه أن
ينتظر انتهاء
بطولة كأس
العالم من أجل
هذا الغرض!)
فإذا حصل على
تجاوبا" من باقي
فئات و شرائح
الشعب فعندها
سيجد تغييرا"
ملموسا" في
سلوك هذه
الشركات من
دون تحطيم أي
مكتب أو قطعة
أُثاث. ربما
التاريخ القريب
يقدم لنا هنا
درسا" مفيدا" :
التغيرات
الكبيرة التي
حصلت في جنوب
أفريقيا كانت
أحد أسبباها
الأساسية هي
مقاطعة شرائح
كبيرة من الشعوب
الغنية
للشركات
المستثمرة
فيها.
كأس العالم
وحقوق
الإنسان
الأب سامي
حلاّق اليسوعي:
( كلنا شركاء ) 9/6/2006
منذ خمسة
وعشرين
عاماً، أحدثت
صورةٌ مفعول القنبلة
الذرّيّة في
مشاعر العالم
كلّه. إنّها
صورة طفل
صوماليّ،
يعاني سكرات
الموت جوعاً،
ونسر من أكلة
الجثث يقف
بالقرب منه،
وينتظر أن
يموت الطفل
ليلتهمه.
وبسبب هذه
الصورة الفظيعة،
تحرّكت أحشاء
الأغنياء
ممّن لديهم
ضمير،
وانهالت التبرّعات
على البلدان
الأفريقيّة
الّتي تعاني
الجفاف لتنقذ
حيوات الناس.
ومنذ خمسة عشر
عاماً، أثارت
صورة أخرى
بركاناً في
عالم الدفاع
عن حقوق
الإنسان.
إنّها صورة
طفل هنديّ
فقير، يلبس
ثياباً رثّة،
وقد أصبح أنفه
أفطس من الضغط
على زجاج
واجهة أحد
المطاعم
الفاخرة في
نيودلهي،
يتأمّل
متحسّراً
جائعاً
الموائد
العامرة
والأطباق
الشهيّة
الّتي
يلتهمها الميسورون.
وخلف الطفل،
بوّاب
المطعم، وبيده
خيزران، يهمّ
في ضرب الطفل
على قفاه
ليطرده، لأنّ
وقوفه بهذا
الشكل يزعج
الزبائن
"المحترمين".
كان هذا في
الماضي. لم
يكن الأنترنت
ووسائل الاتّصال
الّتي تنقل
أيّة معلومة
بسرعة البرق إلى
جميع أنحاء
العالم قد
اخترعت بعد.
ومع ذلك، ثار
العالم
وتحرّكت
الضمائر
وشجبت هذا الواقع
الجائر ضدّ
المسكين
والفقير في
كرتنا الأرضيّة.
واليوم، نحن
نشهد، بل نعيش
في كلّ مدينة
وقرية، حدثاً
مشابهاً. وعلى
الرغم من
تطوّر وسائل
الاتّصال، لم
يرفع واحدٌ
صوته للشجب أو
الاحتجاج. بل
ظلّ الجميع
صامتاً علناً،
ثائراً
ضمناً، وكأنّ
المسألة في
غاية المنطقيّة،
والثورة
عليها في غاية
الغباء.
كأس العالم
لكرة القدم
حدثٌ عالميّ
ينتظره جميع
الناس في
كوكبنا بفارغ
الصبر كلّ
أربع سنوات.
فيه تحتدّ
النقاشات
والتحدّيات،
وينسى الفقراء
بؤسهم
وشقاءهم إلى
حين،
ويرفّهوا عن
أنفسهم
بالتفرّج على
المباريات،
ويستمتعوا بالعروض
الجميلة. ولم
نسمع يوماً عن
ديانةٍ أو إيديولوجيّةٍ
عارضت هذه
الألعاب،
واستهجنت
الترفيه
بالتفرّج
عليها. إنّها
تسلية الفقير
والبائس
والمسكين. وكم
من مرّةٍ
أطلعتنا
وكالات الأنباء
على صورٍ
طريفة
لبائسين في
شمس أفريقيا
أو أيتام في
أكواخ
الفليبّين أو
فقراء في المقاهي
الشعبيّة
بمصر، وهم
يتابعون
بتركيزٍ شديد
أحداث
المباريات،
ناسين قسوة
حياتهم وآلامهم
ومآسيهم.
يتفرّجون
مجّاناً، لا
نسر ينتظر
موتهم، ولا
بوّاب يرفع
الخيزران
ليطردهم.
فمشاهدة
مباريات كأس
العالم حقّ من
حقوق الإنسان،
أيّ إنسان،
أفقيراً كان
أم غنيّاً.
إلاّ أنّ
سياسة
العولمة
والاقتصاد،
الّتي تتحكّم
اليوم بمسيرة
العالم
والدول، حرمت
الفقير بطولة
العالم
الحاليّة.حرمته
هذه المتعة الّتي
طالما كان
ينتظرها
ليوّن عن نفسه
خطوب الحياة.
فقد قامت بعض
الشركات
الطامعة في
الكسب حتّى
التخمة بشراء
حقّ بثّ هذه
المباريات، وأفهمت
العالم أجمع،
أنّ زمن ترفيه
الفقير واليتيم
قد ولّى. من
الآن، لا يحقّ
التمتّع بمشاهدة
هذه الرياضة
الشعبيّة
إلاّ
للأغنياء، إلاّ
لمَن يملك
المال.
حين رأى بعض
محبّي الكرة
في سورية هذا
الأمر، حاولوا
أن يجدوا
حلاًّ على
مبدأ "الرمَد
أفضل من
العمى".
وقالوا في
أنفسهم:
حسناً، سنقوم
بدفع
الاشتراك
الغالي الثمن
على الفقير،
وسنسمح
للمساكين بأن
يأتوا
ليتفرّجوا
مقابل مال أقل
بكثير، وإن
وجِدَ صبيّ
هنديّ عند
زجاج المطعم
لن نطرده، ولن
ندع نسر الـ art ينهش لحم
الجائعين.
فمطعمنا
شعبيّ ... بابنا
مفتوح
للمساكين ...
سنعرض
المباريات في
الهواء الطلق،
ويستطيع كلّ
عابر سبيل أن
يراها من بعيد.
وسنعتبر هذا
شكل من أشكال
الزكاة،
ولابدّ أنّها
تثلج قلب
الله. لكنّ
بوّاب
الاقتصاد
المتوحّش شهر
خيزرانه، وهدّد
كلّ مَن يجرؤ
على فعلٍ كهذا
بالعقاب. إنّه
لا يريد أن
يفوّت على
نفسه كسب حتّى
فلس اليتيم.
أين
الديمقراطيّة
وحقوق
الإنسان
الّتي ينادي
الغرب بها
ويتّهمنا
بانتهاكها؟
فإذا كانت
كلمة
ديمقراطيّة
تعني، من بين
ما تعنيه، أن
يتّخذ الشعب
قراره بنفسه،
فلنسأل الشعب
هل هو راضٍ عن
هذا القرار،
أعني قرار أن
لا يستطيع
الناس مشاهدة
مباريات كأس
العالم إلاّ بدفع
المال؟ وإذا
كانت حقوق
الإنسان تنصّ
على حقّ كلّ
بشر في
الترفيه بدون
تمييز
(المادّة 2 و 24)،
لماذا
يُحرَمُ
المساكين من
أبسط أنواع الترفيه؟
ولماذا
يُستغلّون
حتّى في
ترفيههم؟
أليس من واجب
الفقراء أن
يحطّموا
مكاتب مَن يسرقونهم
متعتهم
الوحيدة في
سبيل أن
ينهشوا لحمهم؟
الأمر لا
يتعلّق بدولة
ولا بحكومة.
فما يحصل في
كأس العالم
الآن من
استغلال هو
مقدّمة لعصرٍ
شركاتٍ لا
هويّة لها ولا
انتماء، وهي
تسعى إلى فرض
شريعة الغاب
على الناس وعلى
الدول. شريعة
يأكل فيها
القويّ
الضعيف. شريعةٌ
لا مكان فيها
للفقير
والبائس
والأرملة والمسكين.
إنّ استغلال
حبّ الناس
لكأس العالم
علامة على أنّ
هناك مَن يريد
أن يستعمر الشعوب،
لا بالمال ولا
بالإغواء
والدعاية، بل
بالاقتصاد.
إنّه نذير
خطر، وعلينا
أن نوقف الطغاة
قبل أن يفوت
الأوان.